‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكاية من الشارع الخلفي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكاية من الشارع الخلفي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 29 مايو 2007

مواقيتُ الشتاءِ و أغنياتُ البرتقالةْ


على كلٍّ،


مضى ما ليس يرجعُ

و انتهت أشياءُ أخرى

و ارتخت بقعُ الدخان على الزجاجِ

و لا يُعادُ من الكلامِ سوى الكلامِ؛

تمرُّ بي،

لا شيء يمنعُ أن تمرَّ

و أن يجيءَ البحرُ في نظراتِها شرِهاً

كذاكرةٍ تعودُ،

و أن تبيتَ الريحُ بين وسائدي،

و أخافُ أن أنسى لِمَ ابتلعَ الكلامُ طريقَنا

بين البيوتِ و لم نقِفْ

حتى افتقدنا خطوتين،

هناك ينفتحُ المكانُ

و لا تزالُ مسافةٌ لم نمْشِها:

شيءٌ تأخر و انتظرتُ لعل ذاكرة

الهواءِ تعيدُ رائحةَ المسافةِ.

لم تصلْ ميسا و أسمع أنها في

آخرِ الظلِّ المُمَدَّدِ

تحت نافذةِ الفصولِ

و حين يرتسمُ الخريفُ على السماءِ

يُعيدُها تشرينُ كاملةً

لها شَعرٌ و خاصرةٌ من الغيمِ

المضيءِ على شفاهِ البيلسانِ؛

عيونُها لا تنتهي فيها السهولُ

و ينتهي شفقُ المغيبِ

على حدودِ مسائِها.

في غرفتي ليلٌ

و شيءٌ باردٌ من صوتِها

يُبْقِي الشتاءَ على

ستائِرنالأولِ موعدٍ.

ظِلٌّ لبسمتِها و أوراقٌ تقادمتِ الكثير

و قُبْلَةٌ لم أدْرِ هل أُعْطيتُها

أم أعطَيتُها.

كانت من الوردِ المُعَبَّأِ في جرارِ الليلِ

تنسجُ موعداً للصيفْ؛

كانت مهيَّأةً لأن تمشي و تسألَ عن

طريقٍ تحته بحرٌ

و لونُ مدينةٍ لم يكْفِها أني

تركتُ على مفارِقِها

بقايا دمعةٍ متروكةٍ للشمسِ؛

يا قلبيَ العاجيَّ

كم منفىً

عرفتَ و كم سماءً سوف

ترقَى كي ترى ميساءُ

فيك الريحَ صافيةً،

و تعرفَ أنها كلماتكَ الأولى

و ضاحية التلالِ المستديرةِ

عند منحدرِ الزنابقِ.

كلُّ ذاكرتي أماكن

لست أدري كيف أحيا بينها.

أحتاجُها جنبي

و تهربُ حين ينعطفُ الطريقُ

و تبدأُ الدنيا.

على كتفي يدٌ ممدودةٌ

و يدٌ تُلَوِّحُ للندى المنثورِ

في مُقَلِ الصباحِ؛

مُمَزَّقٌ بيني و بين كلامِها،

فوضى برأسي،

لا مكانَ لمقعدٍ في الظِلِّ،

أبحثُ في عيونِكِ عن طيورٍ

تعبرُ النفقَ الأخيرَ

الى السفوحِ و قطرةِ

الماءِ الكبيرةِ.

هادئٌ ضَوْءُ المَمَرِّ،

علَيَّ أنْ أُنْهي رسائلَ للبنفسجِ

ثم أرحلُ قبل أنْ يعلو النهارُ حديقةً

مخبوءةً خلف الصدَى.

أيلولُ عادَ و لم يَعُدْ

ما ضاعَ مِنْ عمري،

هراءٌ أن يفاجأني إذاً

بمحطةٍ تحت الضبابِ

أمُرُّ منها مُوْهَناً.

ميساءُ رائحةُ الحياةِ

و مولدُ الفرحِ المُصَفَّى من دمي،

يا غربة لا بدَّ منها،

كيف لا،

و حكايةُ الملْحِ

القديمةُ لا تزالُ على جفوني؛

لو هنا يقفُ المكانُ

و ينتهي زحفُ الثلوجِ

على ملامِحِنا الصغيرةِ!

حين أُشعِلُ شمعةً

تأتينَ في طيفٍ من الزَّهْرِ

المُبَلَّلِ فوقَ أسوارِ الظهيرةِ،

في يديكِ ضفائرُ القمرِ الغَيُورِ

و من شفاهِكِ ينبضُ

الزمنُ العَفِيُّ.

لِمَنْ أنا

حتى أُلَملِمَ عودتي من

كلِّ نافذةٍ تطلُّ

على قشورِ اللوزِ؟

يا ميساءُ،

يا لغة أُوَرِّثُها لأولِ عاشقين

و موجةٍ تركت سواحلَها

لتلحقَ بي بعيداً

خلفَ أكواخِ الرعاةِ.

سنحتمي بالعشبِ من أسمائِنا

إنْ أنكَرَت فينا

مواقيتَ الشتاءِ و أغنياتِ البرتقالةِ.

تائهٌ في كلِّ شيءٍ

لا أُفكِّرُ في النهايةِ

كي أغيبَ مع النوارسِ

في جهاتٍ لا تعودُ من المدى.

كُنْ طيِّباً يا قلبُ

و اعطِ حبيبتي لغةَ الفَرَاشِ

و معطفاً لمواسمٍ تختارُ

فيها الشمسُ مخبَأها

و ترتحلُ الخرافاتُ الجديدةُ للكهوفِ.

أنا الوحيدُ على جدارِ الكونِ

تدفعني النجومُ الى فراغٍ مدهشٍ،

خلفي خيوطٌ من

غبارِ اللازِوَرْدِ

و لا زمان هنا

فأكبرَ مرَّتينِ.

تدقُّ ساعتُها و أسمعُها بقلبيَ

تخدشُ الحِنَّاءَ عن أطرافِهِ:

ما كان يقبلُ يوماً ما يُرادُ به

لولاكِ أنتِ و لولا أنه الجودُ

عليكِ ردٌّ إذا ما راح يسألُني

فيم ابتدائي به و الغَيْرُ موجودُ

من البدايةِ كنتُ مرتبكاً:

تُرى ماذا سأفعلُ

حين تهمسُ لي سيُولَدُ شاطئٌ

في قلبها المحفوفِ

بالنوَّارِ و الأفقِ المسافرِ؟

من موانئِه سأُبحرُ

ثم أرسو لستُ أدري أينَ،

يبدو الأمرُ مختلفاً.

مقاعدُنا القديمةُ شبهُ دافئةٍ

و هذا الليلُ يؤلمُني

يحاولُ نزعَ أجنحةَ النجومِ

ليطفئَ الكلماتِ.

أعرفُ كلَّ شيءٍ عن عيونِك

حين تفجأُني بلون قوافلِ

الأمسِ البعيدةِ.

كم مغامرة تبَقَّت

لي على عتباتِها لأقولَ

شيئاً في بطولةِ من يموتُ

معلَّقاً خلفَ الجنونِ و في

زوايا غيمةٍ للحُبِّ

تزحفُ في شراييني و تبتلعُ

الهدوءَ بلذةٍ لم تُبْقِ

فيَّ مسافةً تكفي لأكتبَ

عن حبيبتي الكثيرَ.

أحبُّها كغدٍ بلا أسماءَ

تؤذي النرجسَ الآتي بأسرارِ

البحيراتِ الطليقةِ في

عروقِ الزعفرانِ و ما أنا إلا

شراعٌ أفْلَتَتهُ الريحُ

بين رموشِها إن أغمَضَتْ

سأذوبُ لا أقوى على

حمل الشروقِ الى ضفافِ السَّرْوِ.

أيامٌ أُرَتِّبُها كأني لستُ مضطَّراً

الى قلقٍ يفتِّتُ فيَ أنسجتي

على مرآتها و أنام محترِقاً

بذاكرةٍ أُقَسِّمُها على

مهْلٍ و بعد الليلِ

أُدرِكُ كم أنا عبءٌ على نفسي

و أصحو موجَعاً.

ميساءُ أسئلةٌ على أبوابِ تشرينَ الغريبةِ

لمْ أُجبْ عنها و قد

تركَ الرمادُ حديثَهُ في الحلْقِ

أسبقُها الى أنفاسِها متعثِّراً

بشذىً تفوَّحَ من مفاتِنِها.

إذَنْ، لم تُعْطِني الدنيا سوى قلبي

أعرِّفُهُ متى كانت تعلِّقُ فيه

أوراقَ القَرَنفُلِ و احمرارَ

الوردِ في أيَّارَ.

كم كانت شفافيةُ الندى تصفو ببسمتِها

و رائحةُ الصباحِ تسيلُ من شفتيكِ.

وحدي مرةً أخرى،

أراها في شرودِ الريحِ

خلفَ مساكنِ الليلِ البسيطةِ،

في غيومٍ لا تزالُ بعيدةً في زُرْقةِ الأفُقِ

المُمَدَّدِ فوقَ أكتافِ الكرومِ.

تمرُّ من قلبي الى قلبي

كوهْجِ الصيفِ،

مثل تشققاتِ الثلجِ عن زهرِ السفوحِ؛

قريبةٌ مني كلمساتِ الشتاءِ

و دمعةٍ بدأَتْ بجُرْحٍ و انتَهت

أيضاً بجُرحٍ صامتٍ

كمدينةٍ مدفونةٍ في الرمْلِ.

يا ميساءُ يا دِفْءَ الأناشيدِ المُريحةِ

عند أدراجِ المعابدِ:

كيف أغدو إنْ نواقيسُ

النهايةِ أسمعَتْني ما أخافُ

و أفشَلتْ حلُمَ الرجوعِ؟

مع الخريفِ نعودُ أصدافاً نعلِّقُها

على عُنُقِ المساءِ و نترُكُ

النسماتِ تحفرُ في شبابيكِ السكونِ

مخابئاً للروحِ.

أيلولُ انتهى زحفاً على دمِ

من دَعَوْ للورد أن يبقى على شرفاتِنا.

راحوا على مرأىً من الدُّوري

و نظرةِ من أَحبُّوهم.

نموت لأننا لا نكتفي بالموت كي تزهو

سنابلُنا على جفنِ الضحى،

و نعود نُسقِي اللوزَ بالغيمِ

النؤومِ على طواحينِ البدايةِ.

من هنا نفقُ الخروجِ الى

القيامةِ و انكشافِ الموتِ.

ميساءُ ابتعدنا يوم كان الفلُّ

مشتعلاً على كلماتِنا الأولى،

و عدنا حين أضحى

آبُ أكبرَ من خرافتِهِ يرتِّبُ شمعتينِ

لأمسياتِ الكستناءِ و قُبْلَتينِ على شفاهٍ من زجاجٍ

لوَّنَتها الأمنياتُ بما تشاءُ،

و لا تزالُ على خيوطِ الأربعاءِ

نعلَّقُ النظَراتِ باردةً

كأعشاشٍِ على قِممِ الخريفِ،

و لا نزالُ على شواطئَ

أنبَتَتْها الشمسُ عاريةً

فنكسوها بأذرعِنا،

و أنظرُ هل أرى للأرضِ

خارطةً بلا أسماءَ كي أعطي

المدائنَ من حروفِكِ أبجديتَها.

أحبُّكِ عائداً من كلِّ شيئٍ

مُلقِياً وجعَ الطريقِ على سريرٍ لا يجاملُ

فيَّ دفْءَ يديَّ،

ألمسُ شعرَها و أضمُّها طيفاً

لتفلِتَ كالندى عن سطحِ بيتٍ

أتعبَتْهُ الريحُ.

يا أملاً سيصعبُ أن أمُرَّ على الزمانِ بدونِهِ.

يومٌ لسوسنةٍ و يومٌ غيرُ مكتمِلٍ

على طرَفِ الكلامِ و ما تبَقَّى

ربما لحبيبتي و هشاشةِ الفجرِ

المفَتَّتِ فوق رائحةِ الترابِ و مولدِ النوَّار.

صورتُها تُقَلِّبُ فيَّ صفحاتِ

الرخامِ و أسمعُ الهمساتِ تصفِرُ
في جوانِبِها،

و تتسعُ الشقوقُ ليختبي

قمرُ المدينةِ بين قلبَيْنا.

هي الدنيا، متى كانت كما نهوى؟

نُجَمِّلُها بما نخشاهُ كي نبقى

بذاكرةِ الطيورِ على

صخورٍ أوقفَتْها الريحُ مراتٍ

و أسألُ ربما للتِّينِ ما يحكيهِ

إنْ مرَّ الشمالُ بثغرِها

علَّ ابتسامتها تعيدُ لهُ رُؤى نيسانَ.

يا نيسانُ أخْفَتْكَ السماءُ

و لمْ تَبِنْ حتى دنت ميساءُ

من أسوارِك البيضاءِ يسبقُها

وشاحٌ ذاب في أهدابِهِ أرَقٌ أُغالِبُهُ

فيهرب بي اليها خلف غابات الصباحِ،

هناك لا أدري متى نحتاجُ

أنْ نُخفي عناقَ النرجسِ المفتونِ

للروحِ المضيئةِ بين شفتيها.

انتظرتُ، و لم أكنْ يوماً على عجَلٍ،

نزولَ الظلِّ عن كتفِ المساءِ

لأحتمي بعيونِها منِّي:

أنا الآتي بنفسي بعدما صار الغروبُ

إعادةً للخوفِ.

تشغلني نوايا لم أجدْها سابقاً

في وجهيَ المألوفِ للماشينَ

في وسطِ الطريقِ و ينبغي

سحْبُ الستارةِ لو قليلاً كي نرى

طرفَ المحيطِ و ساحلَ

السفنِ البعيدةِ و هْي تفترشُ

السكونَ و قد تناست

أنها ستعودُ تبحثُ في المدي

المفتوحِ عن شيءٍ تمارسُ

فيه أفكارَ الموانئِ حين يدعوها

الضبابُ لموكبِ العبثِ الشهيِّ كشمسِ

آذارَ القريبةِ من كهوفٍ أبطأتْ

في صحوِها من عتمةِ

كَبُرَت كشوقيَ

لاختطافِ حبيبتي عبر الحدودِ

القرمزيةِ، خلف أوديةٍ بلا مأوى

تلائمنا كثيراً و هي مقفلةٌ

بأصواتٍ تردِّدُنا كأحلامِ النوافِذِ.

قد تُرِكْنا وحدنا يا وردُ

نحملُ أغنياتِ الأرضِ،

نزرعُ في مآقينا بقايا التوتِ.

هادئةٌ قبورُ

الطيبينَ على مداخِلِنا الصغيرةِ؛

لم تكُنْ صُدَفَاً خطاهُم عند

أولِ حارةٍ حتى و إنْ بدتِ

الأمورُ بسيطةً أو شبه مقنعةٍ.

أنادي أيهذا الوردُ حاذرْ أن تغادرَ

شُرْفَتَيْنا قبل منتصفِ المساءِ

و كُنْ شجاعاً إنْ شعرتَ برغبةٍ

في أن تُقَبِّلَ وجنةَ البحرِ الرقيقةِ.

لمْ تُجرِّبْ بعدُ أيةَ خطوةٍ

نحو الجنوبِ لتبدأَ الأشياءُ فيكَ

على طبيعتِها و أن تقفَ الطريقُ

و لم تجدْني حاملاً

نصفَ الهواءِ و مشعلاً للبرقِ.

يا ميساءُ يا وجهَ الشتاءِ المستحيلِ

على مفارقِ هذه الروحِ،

اختفى لوني على صفحاتِ قلبِكِ،

كيف لا أخشى إذا ما رحتِ

أن أشقى و أصبحَ صورةً للوهمِ

تمحوها الموسمُ مرةً و الخوفُ مراتٍ.

حزينٌ قلبُها

كالنهرِ أول ما يكونُ الليلُ

ترتجفُ النجومُ عليه باهتةً كصوتِكِ

حين تتكئُ الغيومُ على المكانِ

و ينتهي سهرُ الشفاهِ

بلا خلافٍ حول من يأتي

الى باب القيامةِ أولاً.

ميساءُ زاهيةٌ كأيامِ البنفسجِ

نصفها دفءٌ و نصفٌ كالنهارِ

مبَارَكٌ فيه الندى و الثلجُ.

هذا ما لدي لتُرْفَعَ الصلواتُ

عند ظهيرةِ الصفصافِ مُنْهِيَةً دموعاً

لا تُرى في الشمسْ.

الجمعة 20/10/2000

الاثنين، 28 مايو 2007

حكايةُ من الشارعِ الخلفي

غدا تشرينُ


منفى صوتىَ المملوءِِ أ دعيةً

واشواقاً بحجمِ الأرجوانِ

و قَلَّ مَنْ يدري

بأنى ذاهبٌ والريحِ

نزرع فى صفوفِ الغيمِ أوديةً

تفيقُ على نسيمِ الكستناءِِ

وتنتهي فى ذكرياتِ الميتين

عن البلادِ و كيف لم تَعُدِ الحياةُ سوى

انتظارٍ مؤسفٍ لجنودِنا

فوق السروجِ المُطْمَئِنَّةِ.

عائدٌ لمدائنِ الظلِّ الكثيفِ

هناك متَّسعٌ لقطراتِ

الهواءِ القرمزيةِ فوق أغطيةِ الشروقِ

و فوق رائحةِ الغروبِ

المرتخي بين الغصونِ

و في عواطفِ مرأةٍ

لم تَنْسَ بعدُ مَنِ الذي همست لهُ سراً

بأسماءِ الفصولِ؛

أُفضِّلُ الدنيا كما يبدو

مجزأةً

كأفكارِ الطفولةِ

عن بداياتِ الخرافةِ

في بيوتِ الطينِ

و الجزرِ البعيدةِ في عيونِ الطيِرِ

و السورِ القديمِ،

و كيف أروي الخوفَ عن غيري

و هم في الموتِ منذ غدٍ

لهم صورٌ بلا معنى

و أسماءٌ كزهرٍ في نتوءاتِ الصخورِ

تسربوا في خطوتي،

في الشارعِ المُفضِي لكرماتٍ

تموتُ ككل شيءٍ في المدينةِ؛

لا أصدِّقُ أن ساحلَنا

كبيرٌ مثل أحواضِ القرنفلِ،

مثل أبوابٍ تُفَتَّحُ للخريفِ

النرجسيِّ و سروةٍ

تَبْتَلُّ من قُبَلِ المساءِ

و ترتخي في صفحةِ القمرِ

المعبَّأِ نافذاتٍ

لا تطِلُّ على السماء لكي تطلَّ

و لا تفكُّ جدائلَ القمرِ النؤومِ

على فروعِ التيِنِ،

لا أدري

سعادُ بدايةٌ،

و الموتُ فاتحةُ المسافةِ

و الحديثُ عن القيامةِ يصبغُ الموتى

بأوراقٍ من الحناءِ تَنْبُتُ

في الجفونِ

تُذيبُ في دمعاتِنا لونَ الدروبِ،

سعادُ ذاكرةُ النخيلِ

و أغنياتُ الثلجِ في الكوخِ

المضاءِ بشمعةٍ

و الليلُ يغزلُ صمتَه و يسيلُ

في الغسقِ المُجرَّحِ فضةً.

ماتت سعادُ

و كان يمكنُ أن تعيدَ لي الخريفَ

بلا ملامحَ،

أن ترتبَّ وردتين

على وسادتِها

و أمضي حاملاً عبثَ الشواطئِ

سائلاً قدمَيَّ

كم من شارعٍ لمنازلِ الأرواحِ

و الحُفَرِ المخيفةِ.

مَنْ هناك؟

أرى خيالاً قادماً

في وجههِ بحرٌ و خطواتٌ

تجرُّ رؤوسَ كِرْوانٍ

و تعبرُ وادياً لا ضوءَ فيه

و لا عيونَ

و ينتهي في مدفنٍ

جدرانُه يجري على أكتافها اللبلابُ

يهبطُ في جحورِ

البومِ يفزعُها

و يقتربُ النعيبُ من الجنازةِ.

أي أحلامٍ تقاسمني

فضاءَ الأمنياتِ؟

هنا أقيمُ على مفارقِ بلدةٍ

في الصيفِ تتركُ أهلَها

و تغيبُ في رَحْلِ المسافرِ

لا تعودُ كمن يعودُ

بشوقِه لمنابتِ التوتِ الصغيرةِ؛

مرةً و الغيمُ يبتلعُ السماءَ

و لا مكانَ يقي الموانئَ

و الظهيرةُ كالسِّناجِ

و لا مبررَ لي هناك

إذا بطيفٍ هاربٍ من لونِه

نحوي يمدُّ ذراعَه

و يطيرُ بي و يلُفُّني بملاءةٍ

من شَعْرِه الرَّعَويِّ

حتى طلَّ رأسُ المسكنِ المهجورِ

من خلف الصنوبرِ صامتاً

شرفاتُه تعلو النَّارنْجَ

و مدخلُ البوابةِ

ارتفعت فروعُ الخيزرانِ

على جوانبهِ

و كانت ليلةً قوطيةً،

خلف الستائر وجهُها،

في آبَ كان

و في عناقيدِ الضُّحى

و جراحِ أيلولَ الوضيء،

سعاد قافلةٌ

و منعطفُ البدايةِ،

خائفٌ من همسةٍ

تمتد حتى ليلةٍ أخرى

و متَّهَمٌ كما لو أن

دقاتِ المساءِ

تساقطت من قلبي

المرصوفِ نواراً بلون

الموجِ في نيسانَ،

لولا أنها الدنيا

لأمسكتُ الزمان فلا أُفَاجَأُ كل يومٍ،

غربةٌ حتى هنا،

في غرسةٍ مسلوبةِ الوجهِ

استعادت ظلَّها

ليفيضَ حتى لا ظهيرةَ

كالتي ذبلت على

أطرافِها بسماتُنا،

يا أيها الأفقُ الملوَّنُ

بالرياحِ و زرقةٍ لا مُنتَهى

لبرودِها،

أتُرَى سيتسعُ المساءُ

لهمسةٍ تمتدُّ حتى ليلةٍ أخرى؟

و أعرف أنَّ

ذاكرتي لها ما ليس

للفُلْكِ المضيئةِ في المدى،

نيسانُ يملؤني

معابرَ لم تصلْ حتى لأولِ حارةٍ،

نيسانُ لا يأتي

و يحتدُّ الخلافُ

على الدقائقِ قبل تفجيرِ الخيانةِ

أيهم يدُهُ ستسرعُ بالمصافحةِ

اعترافاً أن موتانا أساؤا للجميعِ

و أنَّ راياتِ الرجوعِ

أوانُها قبل القيامةِ

لم أفقْ حتى وحيداً عدتُ

أبحث في شر ايين البنفسجِ

في انهياراتِ الجليدِ على سفوحِ الكستناءِ

و في الاساءاتِ القديمةِ

عن هروبٍ مسرفٍ في البُّعْدِ

يمكنُ أن يريحَ الموتَ

من موتى بلا سببٍ.

وداعاً أيها الحجلُ المؤجَّلُ

للفصولِ المستحيلةِ،

لا تلمني إن تناثرتِ الرياحُ

و أسقطَتْكَ على الطريقِ

و فاجأتكَ الشمسُ بالمدنِ الكريهةِ،

لا تلُمني إن يدي لم تتسعْ

لأصابعي و البحرِ،

بيتي رحلةٌ و حكايةٌ

لم أنْجُ منها مثلما أمَّلْتُ

مفروداً على صدرِ الهواءِ

أضفِّرُ النَّعناعَ،

أنحتُ مرفأً في الريحِ

ألبس خاتماً من عظمِ أخوتي القدامى؛

غامقٌ كالطينِ

تجرُفني السيولُ إلى ضفافٍ

لم تقفْ لتقولَ شيئاً

عن عرايا يركضون

كما العظاءاتِ النحيلةِ

في بطونِ الميتينَ و في دماءِ الأنبياءِ،

و مترفٌ هذا المكانُ

بعابرٍ مثلي

على كَتِفَيَّ تندفعُ السهولُ بلا حدودٍ

كالهدوءِ على غصون المنغروفِ

و غابةٍ سوداءَ تحجبُها

التلالُ السرمديةُ

حيث يَحتَمِلُ الغروبُ مشقةَ

البحثِ المكرَّرِ عن أماكنَ

للهبوطِ بلا متاعبَ

أيها الشفقُ البطيءُ

توسعاتُك لم تعدْ مقبولةً

عند الطيورِ المستكينةِ

فوق قبعةِ الفنارِ،

أنا اتخذتُكَ صهوةً لأرى المدينةَ

و هي تكبرُ من بعيدٍ

كالتجاعيدِ الكثيفةِ في وجوهِ العابرينَ

من الحدودِ إلى حدودِ الزنزلختِ

و من دعاءِ الطيبين إلى

رفاهيةِ الأزقةِ.

شارعٌ و سعادُ مثمرةٌ

لها ظلٌّ برائحة البحيراتِ النقيةِ؛

لا تُتاحُ مفاجآتٌ كالحياةِ

و أن أطيرَ بخمسِ أجنحةٍ

و رأسٍ مورِقٍ

خلف السدودِ إلى البعيدِ

من الجبالِ البيض تحملُني الوعولُ

إلى ينابيعِ الغمامِ

هناك يُفتَتَحُ الشتاءُ بمقعدٍ

في آخر المقهى،

و تقتربُ المدينةُ من شفاهي

حين أهمسُ للمساء بموعدٍ

في شارعٍ ما

فحبيبتي فِضِّيةٌ،

و الليلُ قطبيٌّ كوجه فراشةٍ

تأتي بلا لغةٍ تُذيبُ

مسافةً بيني و بين اللوزِ

لا أدري،

هل الدنيا اشتهت مني المزيدَ

فلا نهايةَ للمسارِ الضيقِ

المحفورِ في وجه البنفسجِ

و التراب الحُرِّ؟

كانت شِبْه مُكْرَهةٍ و لم أسألْ

لِمَ ابتعدَتْ مع الطيهوجِ

بين تشققاتِ الملحِ

في رحمِ السؤالِ،

سعادُ أوقاتٌ لهجرةِ

هذه الطرقِ الضعيفةِ صوبَ

أوديةٍ تمرُّ على قبائلَ

غالباً تتقاسمُ الضوءَ المفَتَّتَ

و احتياجاتِ البقاءِ

ككائناتٍ غير مؤذيةٍ؛

خريفٌ باردٌ كالرملِ

يُلصقُ وجهَهُ بزجاج نافذتي

و أُدخِلُه بأغنيةٍ بها

جرحٌ كوادٍ

غائرٍ في القلب يفترشُ الصباحَ

بلونه الفضيِّ تحملُه

الرياحُ إلى مدائنَ

أطلقتها الشمسُ خلفيَ.

من يموتُ هو البعيدُ،

سعادُ آخرُها النجومُ و وردةٌ

مائيةُ العينين،

بيضاءُ الهواءِ

لها ابتساماتُ السماءِ

على شفاهٍ لم تُصَبْ بالسوءِ،

عُدْتُ و لم تَعُدْ هذي

المدينةُ في مزاميرِ الرعاةِ

و في اشتعالاتِ الشتاءِ

على رؤوسِ الموجِ،

يا تشرينُ يا وجعَ النهار

و شهوةَ الليمونِ

تمشي خلف ذاكرتي و تعرفُ

أن لي وجهاً من الفخارِ

محفورٌ على صفحات هذا الليلِ،

يا تشرينُ سلِّمْ إن مرَرْتَ؛

من الهواءِ المرِّ أخرجُ

من ترانيم الأوزِّ و صرخةِ البِلَّورِ،

تمضي هذه الدنيا،

ستمضي إن كرهتُ و إن تركتُ

البحرَ يأكل نصف أعشاشِ الغيومِ

و إن عبرتُ دوائرَ الفرحِ الكبيرةِ

تاركاً للشمسِ أن ترثَ القُرى

و غرابةَ البلَّورِ،

تغمُرُني مخاوفُ لم تكنْ

من قبلُ تعني أيَّ شيءٍ

غير أني الآن أخشى الظلَّ

تحت رموشِها

و أعود أسألُ هل أنا باقٍ

لأحفرَ في خدودِ البرتقالةِ

شارعين من الهواءِ

و في ابتساماتِ القرنفلِ شاطئين؟

سعادُ لم تَقُلِ الكثيرَ

و حين ماتت كنتُ ألهثُ

خلف أيامٍ كما بدأت

سترجع ثم يدفنها المساءُ

و في النهاية لا أُثمِّرُ غير

ذاكرةٍ من الورق الرديءِ

و تصبحُ الأحلامُ هادئةً

كنظرةِ إبنتي؛
ما كل شيءٍ كنت آمُلهُ

حظيتُ به، و أعرفُ

أن للدنيا منافعَ بعضُها

أني لوحدي دائماً

و أُحبُّ أن يصلَ الحديثُ

إلى البدايةِ مرتينِ

و لو أوفَّقُ

سوف أختصر الكثير

عن الذين عرفتُهم،

لا ينبغي إبداءُ رأيٍ في الحياةِ

أعيشها متناثراً بيني الغداةَ

و بين أحلامي غداً

و أضيع بين قشورِ أضواءِ

الطريقِ و في دوائرَ لا

تدور إلى الوراءِ كما اعتقدتُ؛

غداً أقاتلُ ثم أحمل وردةً.

يا ظليَ المُلقَى على

ظهرِ المدينةِ لا تقاتلْ

قبل أن آتي،
لنا ما كان قبل الخوفِ،

قبل الوردةِ الأولى

و عينِ البندقيةِ صوب نافذةِ التلالِ،

سعاد ماتت عند

فوهة الحكايةِ،

عند أكوام الهواءِ بسيطةً

كأشعةٍ تهتزُّ في

الأفق البعيدِ،

سعاد لافتةٌ على شفة الطريقِ

تمر منها الابتسامةُ

نصفها شفقُ السؤالِ

و نصفها أيلولُ ذاك الآبقُ

المسدولُ فوق سنابلِ

الجبلِ المطلِّ على التلال اللولبيةِ

و السحابِ المستديرِ

و لم أجدْ أعمارَنا موصولةً بضفائرِ

المِسْكِ الكثيفةِ.

لا نموت بما نقولُ

و لا نجازِفُ بالنساء إذا انتقلنا

للضفافِ السندسيةِ،

أيهذا البحرُ

أنت الشاسع الباقي

على عتباتِ هذا البَهْوِ

أَمسِكْ بي ستُعتِمُ

ثم نعبُر كاملَيْنِ إلى المسافاتِ

الطليقةِ كالرياحِ،

إلى السلالاتِ الغنيةِ

بالخرافاتِ الشهيةِ عن نساءٍ

كنَّ يعجِنَّ السماءَ كواكباً

لصغارهنّ و في الصباحِ

يصرنَ ماءاً دافقاً

حتى المساءِ

و عندها يغرقن في

برك الاوزِ و في الكهوفِ

و تحت أجنحةِ النعامِ

و حين ينتفضُ الخريفُ

يعُدنَ في تشرينَ لونُ

جفونِهنَّ بخضرةِ التوتِ النديِّ.

أنا الملامُ على تفاهاتٍ

أصابت قلبي العاجيَّ بالفوضى،

سعادُ نهايةٌ،

و أنا سأبدأُ إن رجعتُ،

و إن وجدتُ مدينةً أخرى،

و أخرى لا تزالُ تحبني

ببرودةٍ كالشمسْ.

الثلاثاء 24/8/1999

هوامش الماء

هوامشُ الماءْ شعر: علاء نعيم الغول ما عادَ أو ما عُدتُ أعوادُ الثقابِ متى احتكَكْنا بالهواءِ ستشتعلْ وأصابعُ الشمعِ الطريةُ أرهقَتْ نيا...