الثلاثاء، 29 مايو 2007

ضوْءُ القمر

على ضوْءِ القمرْ،


و ضفافُ هذا الليلِ باردةٌ على الشرفاتِ،

يأتي الطائرُ الفضيُّ من خلف المدينةِ حاملاً

حوريةَ البحرِ الجميلةَ؛ أختبي خلف الستارةِ

و هي تنزعُ ريشةً في صدرهِ و تلفها في ورقةٍ ذهبيةٍ،

و يطيرُ ثانيةَ ليرجعَ بعدها من دون شيءٍ. ثم تنثرُ من

لفافتها نجوماً فوقه و أراه ينبتُ في الهواءِ بصورتي،

قد صارني أيام كان العمرُ يملأُ ربعَ قرنٍ أو أقلَّ بشارعين من البنفسجِ.

(هؤلاء القادمون من البعيدِ، من الدروبِ الضيقةْ،

يتسلقون الضوءَ نحو النافذةْ. و تسارعت دقاتُ قلبي خائفاً،

و تشبثت مني الأصابعُ بالستارةِ. أين كانوا قبل ذلك

هؤلاء القادمون لمخدعي؟ لا بد من هربٍ سريعٍ

بيد أن الوقتَ يعطيني احتمالاتٍ تزيد من القلقْ.

أتحسسُ الجدرانَ منسحباً الى ركنٍ تُرى منه السماءُ بهيةً)

و أرى أموراً لا تُصَدَّقُ، إنها محبوبتي تلك الجميلة، إنها أمسي

و قلبي المستباحُ بطَلَّةٍ منها. و يندلقُ النهارُ على الشوارعِ

شاهراً في الشمسِ واقعَه المثيرَ و أنتهي في زحمةِ الطرقاتِ مشتبهاً

بظلِّيَ و هو ينشلُ نفسَه من تحت خطواتِ المشاةِ،

و أختفي بين البيوتِ بسرعةٍ ليعودَ ذاك الليلُ ثانيةً و يأتي الطائرُ

الفضِّيُّ مرتخياً على ضوْءِ القمرْ.

شمعةٌ و صورةٌ

الشمعةُ البيضاءُ تفتح في الجدارِ مخابئاً منها أطلُ


على خريفٍ موغلٍ في قلبها ذاتِ العيونِ المستفيضةِ

بالكلامِ. و في هدوءِ الليلِ تصبحُ للنوافذِ جرأةٌ

للهمسِ في أذني بما تعنيه لوحاتٌ معلقةٌ على جدرانِ

هذا البيتِ تتبعني بنظراتٍ مدويةٍ و طيفُ حبيبتي

في ركنهِ البنيِّ يلمعُ بين صورتِها و سلسلةِ المفاتيحِ القديمةِ.

سوف يتسعُ الهدوءُ هنا، و صورتُها بأوردتي تسيلُ كساعةٍ رمليةٍ.

( حاولتُ أن أغفو قليلاً بعد كوبِ الشاي لكنْ

لا تسير معي الأمورُ كما أريدُ، على الأقلِّ إذا

وجدتُ البحرَ أهدأ من ضجيجِ القلبِ)

ما الكلماتُ تبلغُ فيَّ ما يحتاجُهُ قلبي

و جغرافيا القصيدةِ في السطورِ الضيقةْ.

من أين تتخذينَ هذا الوجهَ تشبههُ فينيقياتُ هذا البحرِ

في أثوابهنَّ على ضفافِ الشمسِ؟

أنتِ كما العصور تورِّثينَ الروحَ مفردةَ البقاءِ

و حكمةَ الصمتِ الدفينةِ في فضاءٍ مقفرٍ.

لو مرةً تتحولينَ لطائرٍ يأتي بأجنحةِ المساءِ لشُرْفتي،

نحكي و نهربُ في حنينٍ حارقٍ للنّفْسِ،

نطفئُهُ بقبلاتٍ مندَّاةٍ يخالطُها رحيقٌ باردٌ و نسيمُ بحرٍ هائجٍ.

ِشرخٌ في بريق اللازورْد

شرخٌ في بريقِ اللازوَرْد


أُنَقِّلُ خطوتينِ،

و حين تنكرُني المدينةُ،

لا أفكرُ في نوايا العابرين

و لا أجربُ شارعاً آخرْ.

و يتسعُ التساؤلُ حين ينكسرُ المساءُ

على وجوهٍ لا تُصّدِقُ

أنَّ بيتي ليس يبعد عن هنا،

و أمرُّ مقهوراً كأي مهمَّشٍ، و يدي بها

دفءُ الذين أحبهم

و تنازعت فيهم

مراسيمُ الشتاتِ

و أي مخلوقٍ أنا؟

وحدي أرتِّبُ ما أريدُ

كعادتي، فالوقتُ

سيلٌ نيِّئٌ كتداعياتِ الأمنياتِ

على رصيفٍ عطَّلَتْهُ

حواجزٌ مشدودةٌ

بسخونةِ الضَّجَرِ المُطِلِّ من البيوتِ،

و من عفارٍ يُخْجِلُ التيولبَ

المُهَجَّرَ من سماءٍ أزعَجَتْها

بسمةٌ همجيةٌ كي

تستردَّ صفاءَ

لونِ اللازوَرْدِ من المسلسلةِ القريبةِ

علَّني أنهي اشتياقي للمدينة،

و اكتفي بالصمتْ.

لمن هذي البلادُ

و كيف تُفرِغُها الحواجزُ

من أنوثتها، ككوخٍ مقفرٍ

في ظلِّ زنجيٍّ يُجدِّلُ قصتين على شفاهِ

بحيرةٍ في غفلةٍ

من ظُهْرِ أفريقيا المسافرِ في شوارِعِنا؟

فأي مدينةٍ نحتاجْ؟

و أي مدينةٍ غزة؟

أصافحُ كل بيتٍ كنتُ أعرفُ أهلَهُ،

و أعودُ مُبْتلاً بأصواتٍ

تجاملُ نفسَها،

من برزخٍ يفضي الى كونٍ

بلا كروموزومَ يحملُ شكلَ ما

عيناي تبصرُهُ،

و سابلةٍ كصاريةٍ

بنهرِ ( ستيكسَ) تطفو فوق أفكارٍ

أضَرَّتْ بالمدينةِ مرَّةً بالأمسْ،

و أخرى يوم أورقتِ

الأزقةُ و انتهت أحلامُهابالجوعْ.

شارعٌ في الشمس

من شارعٍ يأتي الى قدميَّ ملتصقاً بأرصفةٍ يغادرها الضحى و الظلُّ


أسمعُ هفهفاتِ الشمسِ توقظُ بيتَكِ المقفولَ في وجهِ الممرْ.

و تقْلقُ النظراتُ وقت أصيرُ عند السورِ

تلمسني برودتُهُ، و تمسكُ فيَّ حنجرتي فيختنقَ السؤالُ

و أكتفي بالسيرِ منصرفاً الى أفكاري البيضاء عنكِ؛

و غالباً ما تهزأُ الخطواتُ بيفأرجعَ صامتاً من شارعٍ يأتي إلى قدميَّ،

ينتزعُ المسافةَ منهما و حبيبتي شباكُها في الخلفِ متكىءٌ على وجعي

يعَوِّدُني على صوتِ الشروقِ. و لن أصيرَ كما يريدُ الوقتُ

مني حالِماً أبداً أُلوِّنُ كائناتٍ من هواءِ الذكرياتِ

كلامها هو ما أريد معللاً نفسي، أحركها لتحيا في

خيالي المضطرب. و تتابعت صورٌ برأسي

لا ترتبُ نفسَها حسب الوضوحِ؛ و ترتخي قسماتُ

وجهي لحظةً عند انعطافي في جهاتٍ كلها

مفتوحة للبحرِ. غزَّةُ من وريدِ العينِ تنزلُ فيكَ

يا قلبَ الحروبِ، فلا تَقُلْ ما قلتُ و انسَ حديثَنا في الليلْ.

غزةُ من هنا تجتازني فرحاً بجرأتِها، تكاشفني بما أهواهُ فيكِ حبيبتي.

أيامنا معدودةٌ، لا بأس، لكن كيف تُقضَى هكذا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا تقترحْ يا قلبُ ما لا نستطيعُ سويةً أن نفعلَه.

دماغُ الوقت

في ذكرياتِ


الآخرين أماكنٌ

تسعُ الكثيرْ.

تبدو كما شيءٍ قديمٍ لم يزلْ من غيرِ سوءْ.

أنا قطرةٌ كالثلجِ تنخرُ في دماغِ الوقتِ لا

حفريةٌ بمورثاتٍ

أفسدتها التعريةْ.

فملوحةُ اللاشيء

تفرزُ في الوجوهِ

بلاهةً.
ـــــــــــــــــــ
لِمَ تفشلُ الأشياءُ مراتٍ و دون ترددٍ؟

خوفٌ قديمٌ و عودةٌ مفاجئة



غداً

تجدُ السماءُ

على وسادتي الندى

و بحيرةَ الفضة.

( و كانوا يجمعون الفضةَ

الأولى من البسطاء و الموتى

و آبار التخومِ و قريتي و الماءْ)

فيا أشباحَ

هذا المدفنِ الشتوي

عودوا للمحارةِ و اغرسوا

في هُدْبِها عودَ

البخورِ و نرجسَ القُبَلِ الأخيرةِ

و ارجعوا،

الوقتُ ليس بحاجةٍ للموتْ.

(و لما عدتُ كانوا مؤمنين

و يذكرون الله قبل نسائهمْ)

تغيرت الحياةُ و إنْ

تشابهتِ الأماكنُ و العباداتُ

البسيطةُ و المواقيتُ

المُعَدَّةُ للوفاةِ كما يريدُ اللهُ،

لكنْ كل شيءٍ

ينتهي في وقته،

و لديَّ أسئلة تناسبني،

و تكفي للصغارِ إذا أشاروا

للسماءِ و لم تكنْ

في كوخها تستدرجُ الطرقَ

القديمةَ

يوم كانت توصِلُ

الساري

الى أبياتنا الرعويةِ الأولى.

(و كانت فترةُ الحربِ انحساراً

للشيوعيين و استثنيتُ رحلتيَ

القصيرةَ في كثيرٍ من نساءٍ لم

أعُدْ في صدرهنَّ سوى تنهيدةٍ

مُتَرَهِّلةْ)

و طالت غيبتي،

و تركتُ أكوامَ الرسائلِ

فوق رفٍّ

قد أذابَ الوقتُ

ألوانَ الفصولِ على طوابعِها،

و باقية أساميهم

و قد قُبِروا،

و عدتُ الى أماكن صبوتي

علِّي أرى أثراً

أعيشُ عليه أياماً و أتركُه،

و أنسى أنني عدَّيتُ

مضطراً كهذا الليلْ.

(و صاروا عند أولِ كل شهرٍ

يذبحون من الصبايا ما يبرِّدُ في

المساءِ غريزةَ الملكِ السقيمِ

و سيفِهِ المبحوحْ)

مواقيتُ الشتاءِ و أغنياتُ البرتقالةْ


على كلٍّ،


مضى ما ليس يرجعُ

و انتهت أشياءُ أخرى

و ارتخت بقعُ الدخان على الزجاجِ

و لا يُعادُ من الكلامِ سوى الكلامِ؛

تمرُّ بي،

لا شيء يمنعُ أن تمرَّ

و أن يجيءَ البحرُ في نظراتِها شرِهاً

كذاكرةٍ تعودُ،

و أن تبيتَ الريحُ بين وسائدي،

و أخافُ أن أنسى لِمَ ابتلعَ الكلامُ طريقَنا

بين البيوتِ و لم نقِفْ

حتى افتقدنا خطوتين،

هناك ينفتحُ المكانُ

و لا تزالُ مسافةٌ لم نمْشِها:

شيءٌ تأخر و انتظرتُ لعل ذاكرة

الهواءِ تعيدُ رائحةَ المسافةِ.

لم تصلْ ميسا و أسمع أنها في

آخرِ الظلِّ المُمَدَّدِ

تحت نافذةِ الفصولِ

و حين يرتسمُ الخريفُ على السماءِ

يُعيدُها تشرينُ كاملةً

لها شَعرٌ و خاصرةٌ من الغيمِ

المضيءِ على شفاهِ البيلسانِ؛

عيونُها لا تنتهي فيها السهولُ

و ينتهي شفقُ المغيبِ

على حدودِ مسائِها.

في غرفتي ليلٌ

و شيءٌ باردٌ من صوتِها

يُبْقِي الشتاءَ على

ستائِرنالأولِ موعدٍ.

ظِلٌّ لبسمتِها و أوراقٌ تقادمتِ الكثير

و قُبْلَةٌ لم أدْرِ هل أُعْطيتُها

أم أعطَيتُها.

كانت من الوردِ المُعَبَّأِ في جرارِ الليلِ

تنسجُ موعداً للصيفْ؛

كانت مهيَّأةً لأن تمشي و تسألَ عن

طريقٍ تحته بحرٌ

و لونُ مدينةٍ لم يكْفِها أني

تركتُ على مفارِقِها

بقايا دمعةٍ متروكةٍ للشمسِ؛

يا قلبيَ العاجيَّ

كم منفىً

عرفتَ و كم سماءً سوف

ترقَى كي ترى ميساءُ

فيك الريحَ صافيةً،

و تعرفَ أنها كلماتكَ الأولى

و ضاحية التلالِ المستديرةِ

عند منحدرِ الزنابقِ.

كلُّ ذاكرتي أماكن

لست أدري كيف أحيا بينها.

أحتاجُها جنبي

و تهربُ حين ينعطفُ الطريقُ

و تبدأُ الدنيا.

على كتفي يدٌ ممدودةٌ

و يدٌ تُلَوِّحُ للندى المنثورِ

في مُقَلِ الصباحِ؛

مُمَزَّقٌ بيني و بين كلامِها،

فوضى برأسي،

لا مكانَ لمقعدٍ في الظِلِّ،

أبحثُ في عيونِكِ عن طيورٍ

تعبرُ النفقَ الأخيرَ

الى السفوحِ و قطرةِ

الماءِ الكبيرةِ.

هادئٌ ضَوْءُ المَمَرِّ،

علَيَّ أنْ أُنْهي رسائلَ للبنفسجِ

ثم أرحلُ قبل أنْ يعلو النهارُ حديقةً

مخبوءةً خلف الصدَى.

أيلولُ عادَ و لم يَعُدْ

ما ضاعَ مِنْ عمري،

هراءٌ أن يفاجأني إذاً

بمحطةٍ تحت الضبابِ

أمُرُّ منها مُوْهَناً.

ميساءُ رائحةُ الحياةِ

و مولدُ الفرحِ المُصَفَّى من دمي،

يا غربة لا بدَّ منها،

كيف لا،

و حكايةُ الملْحِ

القديمةُ لا تزالُ على جفوني؛

لو هنا يقفُ المكانُ

و ينتهي زحفُ الثلوجِ

على ملامِحِنا الصغيرةِ!

حين أُشعِلُ شمعةً

تأتينَ في طيفٍ من الزَّهْرِ

المُبَلَّلِ فوقَ أسوارِ الظهيرةِ،

في يديكِ ضفائرُ القمرِ الغَيُورِ

و من شفاهِكِ ينبضُ

الزمنُ العَفِيُّ.

لِمَنْ أنا

حتى أُلَملِمَ عودتي من

كلِّ نافذةٍ تطلُّ

على قشورِ اللوزِ؟

يا ميساءُ،

يا لغة أُوَرِّثُها لأولِ عاشقين

و موجةٍ تركت سواحلَها

لتلحقَ بي بعيداً

خلفَ أكواخِ الرعاةِ.

سنحتمي بالعشبِ من أسمائِنا

إنْ أنكَرَت فينا

مواقيتَ الشتاءِ و أغنياتِ البرتقالةِ.

تائهٌ في كلِّ شيءٍ

لا أُفكِّرُ في النهايةِ

كي أغيبَ مع النوارسِ

في جهاتٍ لا تعودُ من المدى.

كُنْ طيِّباً يا قلبُ

و اعطِ حبيبتي لغةَ الفَرَاشِ

و معطفاً لمواسمٍ تختارُ

فيها الشمسُ مخبَأها

و ترتحلُ الخرافاتُ الجديدةُ للكهوفِ.

أنا الوحيدُ على جدارِ الكونِ

تدفعني النجومُ الى فراغٍ مدهشٍ،

خلفي خيوطٌ من

غبارِ اللازِوَرْدِ

و لا زمان هنا

فأكبرَ مرَّتينِ.

تدقُّ ساعتُها و أسمعُها بقلبيَ

تخدشُ الحِنَّاءَ عن أطرافِهِ:

ما كان يقبلُ يوماً ما يُرادُ به

لولاكِ أنتِ و لولا أنه الجودُ

عليكِ ردٌّ إذا ما راح يسألُني

فيم ابتدائي به و الغَيْرُ موجودُ

من البدايةِ كنتُ مرتبكاً:

تُرى ماذا سأفعلُ

حين تهمسُ لي سيُولَدُ شاطئٌ

في قلبها المحفوفِ

بالنوَّارِ و الأفقِ المسافرِ؟

من موانئِه سأُبحرُ

ثم أرسو لستُ أدري أينَ،

يبدو الأمرُ مختلفاً.

مقاعدُنا القديمةُ شبهُ دافئةٍ

و هذا الليلُ يؤلمُني

يحاولُ نزعَ أجنحةَ النجومِ

ليطفئَ الكلماتِ.

أعرفُ كلَّ شيءٍ عن عيونِك

حين تفجأُني بلون قوافلِ

الأمسِ البعيدةِ.

كم مغامرة تبَقَّت

لي على عتباتِها لأقولَ

شيئاً في بطولةِ من يموتُ

معلَّقاً خلفَ الجنونِ و في

زوايا غيمةٍ للحُبِّ

تزحفُ في شراييني و تبتلعُ

الهدوءَ بلذةٍ لم تُبْقِ

فيَّ مسافةً تكفي لأكتبَ

عن حبيبتي الكثيرَ.

أحبُّها كغدٍ بلا أسماءَ

تؤذي النرجسَ الآتي بأسرارِ

البحيراتِ الطليقةِ في

عروقِ الزعفرانِ و ما أنا إلا

شراعٌ أفْلَتَتهُ الريحُ

بين رموشِها إن أغمَضَتْ

سأذوبُ لا أقوى على

حمل الشروقِ الى ضفافِ السَّرْوِ.

أيامٌ أُرَتِّبُها كأني لستُ مضطَّراً

الى قلقٍ يفتِّتُ فيَ أنسجتي

على مرآتها و أنام محترِقاً

بذاكرةٍ أُقَسِّمُها على

مهْلٍ و بعد الليلِ

أُدرِكُ كم أنا عبءٌ على نفسي

و أصحو موجَعاً.

ميساءُ أسئلةٌ على أبوابِ تشرينَ الغريبةِ

لمْ أُجبْ عنها و قد

تركَ الرمادُ حديثَهُ في الحلْقِ

أسبقُها الى أنفاسِها متعثِّراً

بشذىً تفوَّحَ من مفاتِنِها.

إذَنْ، لم تُعْطِني الدنيا سوى قلبي

أعرِّفُهُ متى كانت تعلِّقُ فيه

أوراقَ القَرَنفُلِ و احمرارَ

الوردِ في أيَّارَ.

كم كانت شفافيةُ الندى تصفو ببسمتِها

و رائحةُ الصباحِ تسيلُ من شفتيكِ.

وحدي مرةً أخرى،

أراها في شرودِ الريحِ

خلفَ مساكنِ الليلِ البسيطةِ،

في غيومٍ لا تزالُ بعيدةً في زُرْقةِ الأفُقِ

المُمَدَّدِ فوقَ أكتافِ الكرومِ.

تمرُّ من قلبي الى قلبي

كوهْجِ الصيفِ،

مثل تشققاتِ الثلجِ عن زهرِ السفوحِ؛

قريبةٌ مني كلمساتِ الشتاءِ

و دمعةٍ بدأَتْ بجُرْحٍ و انتَهت

أيضاً بجُرحٍ صامتٍ

كمدينةٍ مدفونةٍ في الرمْلِ.

يا ميساءُ يا دِفْءَ الأناشيدِ المُريحةِ

عند أدراجِ المعابدِ:

كيف أغدو إنْ نواقيسُ

النهايةِ أسمعَتْني ما أخافُ

و أفشَلتْ حلُمَ الرجوعِ؟

مع الخريفِ نعودُ أصدافاً نعلِّقُها

على عُنُقِ المساءِ و نترُكُ

النسماتِ تحفرُ في شبابيكِ السكونِ

مخابئاً للروحِ.

أيلولُ انتهى زحفاً على دمِ

من دَعَوْ للورد أن يبقى على شرفاتِنا.

راحوا على مرأىً من الدُّوري

و نظرةِ من أَحبُّوهم.

نموت لأننا لا نكتفي بالموت كي تزهو

سنابلُنا على جفنِ الضحى،

و نعود نُسقِي اللوزَ بالغيمِ

النؤومِ على طواحينِ البدايةِ.

من هنا نفقُ الخروجِ الى

القيامةِ و انكشافِ الموتِ.

ميساءُ ابتعدنا يوم كان الفلُّ

مشتعلاً على كلماتِنا الأولى،

و عدنا حين أضحى

آبُ أكبرَ من خرافتِهِ يرتِّبُ شمعتينِ

لأمسياتِ الكستناءِ و قُبْلَتينِ على شفاهٍ من زجاجٍ

لوَّنَتها الأمنياتُ بما تشاءُ،

و لا تزالُ على خيوطِ الأربعاءِ

نعلَّقُ النظَراتِ باردةً

كأعشاشٍِ على قِممِ الخريفِ،

و لا نزالُ على شواطئَ

أنبَتَتْها الشمسُ عاريةً

فنكسوها بأذرعِنا،

و أنظرُ هل أرى للأرضِ

خارطةً بلا أسماءَ كي أعطي

المدائنَ من حروفِكِ أبجديتَها.

أحبُّكِ عائداً من كلِّ شيئٍ

مُلقِياً وجعَ الطريقِ على سريرٍ لا يجاملُ

فيَّ دفْءَ يديَّ،

ألمسُ شعرَها و أضمُّها طيفاً

لتفلِتَ كالندى عن سطحِ بيتٍ

أتعبَتْهُ الريحُ.

يا أملاً سيصعبُ أن أمُرَّ على الزمانِ بدونِهِ.

يومٌ لسوسنةٍ و يومٌ غيرُ مكتمِلٍ

على طرَفِ الكلامِ و ما تبَقَّى

ربما لحبيبتي و هشاشةِ الفجرِ

المفَتَّتِ فوق رائحةِ الترابِ و مولدِ النوَّار.

صورتُها تُقَلِّبُ فيَّ صفحاتِ

الرخامِ و أسمعُ الهمساتِ تصفِرُ
في جوانِبِها،

و تتسعُ الشقوقُ ليختبي

قمرُ المدينةِ بين قلبَيْنا.

هي الدنيا، متى كانت كما نهوى؟

نُجَمِّلُها بما نخشاهُ كي نبقى

بذاكرةِ الطيورِ على

صخورٍ أوقفَتْها الريحُ مراتٍ

و أسألُ ربما للتِّينِ ما يحكيهِ

إنْ مرَّ الشمالُ بثغرِها

علَّ ابتسامتها تعيدُ لهُ رُؤى نيسانَ.

يا نيسانُ أخْفَتْكَ السماءُ

و لمْ تَبِنْ حتى دنت ميساءُ

من أسوارِك البيضاءِ يسبقُها

وشاحٌ ذاب في أهدابِهِ أرَقٌ أُغالِبُهُ

فيهرب بي اليها خلف غابات الصباحِ،

هناك لا أدري متى نحتاجُ

أنْ نُخفي عناقَ النرجسِ المفتونِ

للروحِ المضيئةِ بين شفتيها.

انتظرتُ، و لم أكنْ يوماً على عجَلٍ،

نزولَ الظلِّ عن كتفِ المساءِ

لأحتمي بعيونِها منِّي:

أنا الآتي بنفسي بعدما صار الغروبُ

إعادةً للخوفِ.

تشغلني نوايا لم أجدْها سابقاً

في وجهيَ المألوفِ للماشينَ

في وسطِ الطريقِ و ينبغي

سحْبُ الستارةِ لو قليلاً كي نرى

طرفَ المحيطِ و ساحلَ

السفنِ البعيدةِ و هْي تفترشُ

السكونَ و قد تناست

أنها ستعودُ تبحثُ في المدي

المفتوحِ عن شيءٍ تمارسُ

فيه أفكارَ الموانئِ حين يدعوها

الضبابُ لموكبِ العبثِ الشهيِّ كشمسِ

آذارَ القريبةِ من كهوفٍ أبطأتْ

في صحوِها من عتمةِ

كَبُرَت كشوقيَ

لاختطافِ حبيبتي عبر الحدودِ

القرمزيةِ، خلف أوديةٍ بلا مأوى

تلائمنا كثيراً و هي مقفلةٌ

بأصواتٍ تردِّدُنا كأحلامِ النوافِذِ.

قد تُرِكْنا وحدنا يا وردُ

نحملُ أغنياتِ الأرضِ،

نزرعُ في مآقينا بقايا التوتِ.

هادئةٌ قبورُ

الطيبينَ على مداخِلِنا الصغيرةِ؛

لم تكُنْ صُدَفَاً خطاهُم عند

أولِ حارةٍ حتى و إنْ بدتِ

الأمورُ بسيطةً أو شبه مقنعةٍ.

أنادي أيهذا الوردُ حاذرْ أن تغادرَ

شُرْفَتَيْنا قبل منتصفِ المساءِ

و كُنْ شجاعاً إنْ شعرتَ برغبةٍ

في أن تُقَبِّلَ وجنةَ البحرِ الرقيقةِ.

لمْ تُجرِّبْ بعدُ أيةَ خطوةٍ

نحو الجنوبِ لتبدأَ الأشياءُ فيكَ

على طبيعتِها و أن تقفَ الطريقُ

و لم تجدْني حاملاً

نصفَ الهواءِ و مشعلاً للبرقِ.

يا ميساءُ يا وجهَ الشتاءِ المستحيلِ

على مفارقِ هذه الروحِ،

اختفى لوني على صفحاتِ قلبِكِ،

كيف لا أخشى إذا ما رحتِ

أن أشقى و أصبحَ صورةً للوهمِ

تمحوها الموسمُ مرةً و الخوفُ مراتٍ.

حزينٌ قلبُها

كالنهرِ أول ما يكونُ الليلُ

ترتجفُ النجومُ عليه باهتةً كصوتِكِ

حين تتكئُ الغيومُ على المكانِ

و ينتهي سهرُ الشفاهِ

بلا خلافٍ حول من يأتي

الى باب القيامةِ أولاً.

ميساءُ زاهيةٌ كأيامِ البنفسجِ

نصفها دفءٌ و نصفٌ كالنهارِ

مبَارَكٌ فيه الندى و الثلجُ.

هذا ما لدي لتُرْفَعَ الصلواتُ

عند ظهيرةِ الصفصافِ مُنْهِيَةً دموعاً

لا تُرى في الشمسْ.

الجمعة 20/10/2000

هوامش الماء

هوامشُ الماءْ شعر: علاء نعيم الغول ما عادَ أو ما عُدتُ أعوادُ الثقابِ متى احتكَكْنا بالهواءِ ستشتعلْ وأصابعُ الشمعِ الطريةُ أرهقَتْ نيا...